ابن أبي الحديد

138

شرح نهج البلاغة

قالوا : فأما احتجاج القاطعين على موته ، فقد ظهر فساده بما حكى من الجواب عنه . قالوا : ومما يدل على بطلانه من الكتاب العزيز قوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب ) ( 1 ) فحكم سبحانه بأن إثباته القصاص مما يزجر القاتل عن القتل ، فتدوم حياة المقتول ، فلو كان المقتول يموت لو لم يقتله القاتل ما كان في إثبات القصاص حياة . قالوا : وأما احتجاج البغداديين على القطع على حياته ، بما حكى عنهم ، فلا حجة فيه . أما إلزام القاتل القود والغرامة فلانا غير قاطعين على موت المقتول لو لم يقتل ، بل يجوز أن يبقى ويغلب ذلك على ظنوننا ، لأن الظاهر من حال الحيوان الصحيح ألا يموت في ساعته ، ولا بعد ساعته وساعات ، فنحن نلزم القاتل القود والغرامة ، لأن الظاهر أنه أبطل ما لو لم يبطله لبقى . وأيضا فموت المقتول لو لم يقتله القاتل لا يخرج القاتل من كونه مسيئا ، لأنه هو الذي تولى إبطال الحياة ، ألا ترى أن زيدا لو قتل عمرا لكان مسيئا إليه ، وإن كان المعلوم أنه لو لم يقتله لقتله خالد في ذلك الوقت ! وأيضا فلو لم يقتل القاتل المقتول ، ولم يذبح الشاة حتى ماتا ، لكان يستحق المقتول ومالك الشاة من الأعواض على الباري سبحانه أكثر مما يستحقانه على القاتل والذابح ، فقد أساء القاتل والذابح حيث فوتا على المقتول ومالك الشاة زيادة الأعواض . فأما شيخنا أبو الحسين فاختار الشك أيضا في الامرين إلا في صورة واحدة ، فإنه قطع فيها على دوام الحياة ، وهي أن الظالم قد يقتل في الوقت الواحد الألوف الكثيرة في المكان الواحد ، ولم تجر العادة بموت مثلهم في حالة واحدة في المكان الواحد ، واتفاق ذلك نقض العادة ، وذلك لا يجوز .

--> ( 1 ) سورة البقرة 179 .